أبي منصور الماتريدي
107
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حملهم ذلك على السؤال عنها ؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا ، ثم أمره أن يقول : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ، أي : لا يكشفها ولا يظهر وقتها إلا هو ، ليس كالأمور التي تجري على أيدي الخلق ، ويكون لغيره فيها تدبير [ من إخراج الثمار والنبات والأمطار ، وغير ذلك من الأمور التي تجري على أيدي الخلق ويكون لهم فيها تدبير ، أعني ] « 1 » الملائكة الذين سلطوا على حفظ المطر والنبات ، وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن كان لأحد من الخلائق تدبير فيها أو علم ، وهو ما وصفها الله - عزّ وجل - : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل : 77 ] أخبر أن أمر الساعة خارج عن تدبير الخلق ؛ بل تقوم بتدبير الله من غير أن يجريها على [ يد أحد ] « 2 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . قيل « 3 » : ثقلت على أهل السماوات والأرض . ثم اختلف فيه : قال قائلون « 4 » : قوله : ثَقُلَتْ أي : خفيت على أهل السماوات والأرض ، فذكر الثقل ؛ لأن كل من خفي عليه شيء ثقل عليه ، فذكر أنها ثقيلة عليهم ؛ لخفائها عليهم . وقال قائلون « 5 » : ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض ؛ لكثرة أهوالها وشدة وقوعها . وأمكن أن يكون قوله : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على نفس السماوات والأرض ؛ على ما ذكر في قوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ . . . الآية [ مريم : 90 ] ، وذلك من شدة هولها ، ولكن إن كان على نفس السماوات والأرض ، أي : لو كانت هي بحيث تعرف وتميز ، وبنيتها بنية من يعرف ثقل شيء لثقلت [ عليها ] ، وهو ما قلنا في قوله : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا [ الأنعام : 130 ] والدنيا لا تغر أحدا ، أي : ما كان منها لو كان ممن يكون منه التغرير لكان تغريرا ؛ فعلى ذلك الأول .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : يدي . ( 3 ) أخرجه ابن جرير بنحوه ( 6 / 137 - 138 ) ( 15484 ) عن معمر عن بعض أهل التأويل ، وفي ( 15485 ) عن معمر عن الحسن ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 274 - 275 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 137 ) ( 15483 ) عن السدي ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 275 ) وزاد نسبته لأبي الشيخ عن السدي . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 137 - 138 ) ( 15485 ) عن الحسن ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 274 ) وزاد نسبته لبعد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم .